ريبوار احمد
نظرة على اقوال جلال الطالبانى فى المؤتمر الصحفى فى 15 شباط
القوميون الاكراد والعرب والجماعات الاسلامية والجنرالات من البعثيين القدامى فى “المؤتمر الوطنى العراقى”، يجلسون على ركابهم واياديهم مرفوعة تتوسل للبيت الابيض من اجل ان تنزل” رحمة” “الرئيس بوش” و يبدأ بحربه لافناء جماهير العراق. الان ربطوا كل امالهم التي تتجسد بوصولهم للسلطة، بهذه الحرب وهمة “رامبو” و الطائرات والقنابل النووية الامريكية، التى ستحول اجساد مئات الآلاف من اطفال وشيوخ وشباب العراق، التي ستخضب بالدم، الى سلم يتسلقون عليه. هذة القوى والجماعات التى جفت منها كل المشاعر والاحاسيس الانسانية والقيم المتمدنة، يعبّرون بكل صراحة عن تعطشهم للحرب. فالمصادر التابعة للامم المتحدة اعلنت فى تقاريرها بأن اندلاع الحرب يعني قتل مئات ألآلاف من اطفال و شيوخ وشباب العراق و تشريد الملايين. لذا فان تعطشهم لهذه الحرب تحت اى غطاء أو اية مبررات، لا يمكن أن يعنى شيئا غير التعطش لابادة جماهير العراق. احدث الدلائل حول الحرب من قبل هذه الاطراف والقوى جاءت في المؤتمر الصحفي اعلاه لجلال الطالباني السكرتير العام للاتحاد الوطني الكردستانى.
هنا ننطرق الى بعض جوانب وزوايا المؤتمر الصحفي المذكور:
المعارضة البرجوازية تواقة للحرب وقتل جماهير العراق
المسألة واضحة للعالم، أن الحرب التى تخطط لها امريكا ومن المقرر لها، ابا دة الجماهير وتدمير مجتمعها بالقنابل والبارود والاسلحة النووية. الهدف من هذه الحرب سواء كان ملفوفا بأية دعاية او ديماغوجية، هو عبارة عن فرض الهيمنة والعنجهية الامريكية على منافسيها والبشرية المتمدنة. وهذا يعنى طمس كل اشكال الحرية والمعايير الانسانية واشهار اسلحة الدمار الشامل بوجه كل دولة او طرف، حتى وان كان شخصا، لم يخضع للهمجية والمصالح الامريكية. ولهذا نزلت الانسانية المتمدنة الى الميدان في كل انحاء العالم بصفها المليوني وفي استعراضها العظيم بالتصدي لافناء سكان العراق ومواجهة العسكرتارية وسياسة التدمير الشامل الامريكية، و كان ذلك لكمة قوية بوجه الصيحات الديماغوجية لبوش والمتحالفين معه.
بيد ان الاطراف القومية والاسلامية والمجموعات العميلة في المعارضة العراقية، لم تقف بوجه حمامات الدم التي من المقرر ان يتم دفع الجماهير نحوها في المجتمع الذي يعتبرون انفسهم مالكيه، ولم يقفوا ايضا الى جانب الجبهة الانسانية المتمدنة فحسب، بل راحوا يصفقون لجبهة الدمار والبربرية، حتى وصل بهم الحد الى توجيه الملامة لدعاة الحرية في العالم، لماذا يقفون ضد “رحمة الحرب”، لماذ يحولون اجسادهم الى دروع بشرية لحماية ارواح اطفال وشيوخ العراق!. لاحظوا جلال الطالبانى في ذلك المؤتمر الصحفي يتكلم كموظف مأمور لباول وبوش ويربط اماله بالحرب: “المسألة ليست مسألة تفتيش، المسألة هي عبارة عن نزع الاسلحة” يقول كذلك: “في قناعتي الحرب حتمية و ستحدث ولن يعرقلها اي شيء والمسألة هي مسألة وقت”. ” بتصوري في الوقت الذى يصل الجيش الامريكي الى تركيا ويستقر، ستندلع الحرب”. الا ان احداً لم يصدق هذه الديماغوجية سوى بوش والمتحالفين معه وخدمه في المعارضة العراقية، وذلك لأن العالم يدرك هذه الحقيقة بأن مسألة نزع اسلحة الدمار الشامل مبرر واه وسخيف ومفضوح لأرتكاب حمامات دم وفرض الهيمنة الامريكية على العالم. اذا كانت المسألة عبارة عن نزع اسلحة الدمار الشامل، فأن امريكا هي اول دولة والوحيدة التي استخدمت القنبلة الذرية حيث خلقت اكبر كارثة للانسانية، ولهذا يجيب البدء في تجريد اسلحة الدمار الشامل من الولايات المتحدة الامريكية، ومن دولة اسرائيل الفاشية والاداة الامريكية. الا أن الدعوى لشن احدى حروب الدمار الشامل ضد العراق تحت عنوان نزع اسلحة الدمار الشامل، اكبر عملية نفاق مفضوحة.
ومع هذا فأن الطالباني يغمره الفرح “بأن قناعته حول الحرب حتمية” وهذا يعنى بتصوره الابادة المتوقعة شيئا حتميا، فكل احساساته ومشاعرحزبه والمتحالفين معه لا يتجاوز التعبير عن فرحهم امام هذه المأساة الانسانية. وسبب هذا الموقف واضح ومعلوم. أن التحدث عن تحرير جماهير العراق من الدكتاتورية و احلال الدبمقراطية عن طريق هذه الحرب هو محض هراء. أن قسما من الناس الذين من المقرر قتلهم لن يحالفهم الحظ لرؤية نهاية هذا السيناريو الاسود. اما القسم الاخر من الذين يبقون على قيد الحياة، سوف يجثم على اذهانهم كابوس الخراب والمناظر البشعة والايام الكالحة للحرب والتشرد لسنوات وسنوات، مما يسلبهم امكانية التطبيل والتزمير والرقص في حفلات تحقيق الاحلام الوردية للطالبانى والبارزانى والجلبي والحكيم والسامرائي والخزرجي. الخلاصة هي ان السيناريو من وجهة نظر امريكا عبارة عن شن حرب يذهب ضحيتها مئات الاف من البشر لتثبيت بربريتها على العالم تحت عنوان تدمير اسلحة الدمار الشامل والتخلص من دكتاتورية صدام، ومن وجهة نظر المعارضة الموالية لامريكا، فهي لاتبالي لكل تلك الويلات التي ستحدث، لكن جل همها الحصول على كرسي الحكم.
في هذه الحقيقة تكمن المصلحة المكيافيلية الحقيرة التي من اجلها يتوسلون الى”ربهم ورئيسهم بوش” كي لا يخيب أملهم ويحرمهم من “رحمة الحرب”، ويشتاطون غضبا من العالم المتمدن والدول التي تقف ضد الحرب.
البديل القادم بين الديمقراطية و الحاكم العسكري
في المؤتمرالصحفي المذكور يكرر الطالبانى حديثه حول امله المفقود في اقامة حكومة قومية-اسلامية- طائفية-عشائرية تحت يافطة نظام ديمقراطي وبرلماني وائتلافي بعد اطاحة نظام صدام، تلك الحكومة التي اعلن عن محتواها الرجعي في مؤتمرلندن. وكذلك كما جاء في حديثه ردا على تصريحات المسئولين الامريكين حول نيتهم في تنصيب حاكم عسكري محل النظام البعثي، حيث تجرأ وقال”نحن ضد اية حكومة عسكرية ولا نقبل بها” ولكن بعد دقائق حاول ان يدب الفرح في نفسه بأن امريكا غير جادة وكانت تمزح حيث يقول”لا اصدق بأن امريكا تريد من حكم العراق ان يصبح زلزالا”، واستمرارا لحديثه يعلن عن مواقفهم المتخاذلة تجاه هذه المسألة ويتبين بأن ادعاءاتهم من قبيل”لا نقبل حكومة عسكرية” عديمة المحتوى وهزيلة حيث يتحفنا ليقول”لكن لو حدث هذا ليس لدينا نية في محاربتها”. وبهذا الشكل وقبل ان يحدث أي شيء، فأن جلال طالبانى وفي سياق جوابه على اسئلة وسائل الاعلام يعبر عن رضوخه للحكم العسكري، ويتوضح في المحصلة النهائية تنازلهم بكل سهولة عن “ديمقراطية، برلمانية، فيدرالية، تعددية” الى مستوى الدكتاتورية العسكرية. وبعد ذلك انفض يديك، كي يقولوا ” خانتناامريكا”.
من جانب اخر فأن اصدقاء امريكا من المعارضة العراقية يصرحون و على لسانهم بأنهم ليسوا اهلا لعدم اطاعة اوامر امريكا، وهذا يكشف الستار عن المرحله الثانية للخطة القذرة الامريكية تجاه جماهير العراق وصيحات “الديمقراطتجيين” من المعارضة البرجوازية العراقية الساقطة. وهذا يعني اذا كانت المرحلة الاولى لسيناريو يتكون من الابادة والتدمير الكبيرين تحت ذريعة انهاء الدكتاتورية و جلب الديمقراطية، والطالبانى نفسه لم ينكر ذلك السناريو فحسب بل يبرر حدوثه ويقول” يجيب توقع كل شيء، ولكن بتصورنا وظيفتنا ان نفرح بأنهاء الدكتاتورية في العراق، فلقد قدمنا تضحيات كبيرة ولنقدم تضحيات اكبر من اجل الديمقراطية والفيدرالية”. انهم يعلنون من الأن وبصراحة ان المرحلة الثانية من السيناريو “المحتمل” عبارة عن مجيء الدكتاتورية العسكرية، وفي نفس الوقت فان الطالباني واصدقاءه يعلنون عن مواقفهم الخانعة. وبغض النظر عن هذا الاعتراف الصريح، فالطالباني لايحتاج ان يقول”حتى اذا جاءت امريكا بحكومة عسكرية فليس بنيتنا محاربتها”، لأنه ليس هناك احد يشك في عدم اهليتهم غير المتناهية. وليس هناك ايضا من احد يشك بأن القياديين القوميين الاكراد لم يبذلوا ابسط جهد في ايقاف تخاذلهم امام امريكا حتى لو كان حول اكبر مسألة في المجتمع الذين يعتبرون انفسهم اصحابه، فمن اين لهم شهامة من اجل محاربة امريكا مثل كاسترو وجيفارا. اذن ليس من حق احد ان يصغى لصيحاتهم التي لا قيمة لها حول الديمقراطية والفيدرالية.
اواخر شباط 2003