ريبوار أحمد:
هذا الموضوع هو نص البحث الذي تم تقديمه في الكونفرانس الأول لتنظيم الخارج للحزب الذي عقد في 21 و22 كانون الثاني 2006 في السويد
إن هدف وإطار هذا البحث الذي نقدمه اليوم هو من أجل أن نعرف ما هي الأوضاع السياسية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع العراقي الآن، من أين جاءت هذه الأوضاع وبأي اتجاه تتجه، وما هو دور الحركات الاجتماعية الأخرى وما هي البدائل؟
كذلك ما هي مكانة الحزب الشيوعي العمالي؟ ماذا يريد هذا الحزب القيام به في هذه الأوضاع؟ الى أين يريد دفع المجتمع؟ ما هي خططه وتكتيكاته لهذا الغرض؟ ما هو السبيل الذي يضعه أمام المجتمع للخروج من الأوضاع الحالية؟ وفي النهاية ما هو السيناريو الذي يضعه نصب عينيه للوصول الى السلطة السياسية وتطبيق برنامجه بوصفه حزباً متطلعاً للسلطة؟
كي نستطيع، في خاتمة المطاف، وعلى أساس هذه الأمور وارتباطاً باستراتيجية وسياسات الحزب، أن نحدد برنامج عمل وبرنامج نشاط منظمة الخارج، بوصفها أحد الميادين المهمة للنضال من أجل تحرير المجتمع العراقي ووصول الحزب الى السلطة وتطبيق برنامجه الاشتراكي.
وبدون تحليل الأوضاع السياسية وتقديم إجابة على تلك الأسئلة، لا يمكننا أن نحدد بشكل اعتباطي برنامج عملنا وأولوياتنا لا في الخارج ولا في أي ميدان آخر. لأنه لا يمكن في أي مكان تحديد لا استراتيجية حزب سياسي ولا سياسته وتكتيكاته من جانب واحد وبموجب أيديولوجياه وأهدافه ومعتقداته. بل إن عملاً من هذا القبيل مرهون بمسألة في أي مجتمع، وفي أية أوضاع، ولأي حزب محدد من المقرر صياغة استراتيجية وسياسة وبرنامج عمل؟ وما هي مكانة ذلك الحزب في ذلك المجتمع؟
بهذه المقدمة ندخل الى الموضوع، وقبل كل شيء فإن المسألة التي علينا ملاحظتها هي أن المجتمع العراقي يمر بأوضاع انبثقت كنتيجة مباشرة للحرب الأمريكية. هذه الحرب خلقت أوضاعاً معقدة جداً وخاصة في العراق. وقد جاءت نتائج هذه الحرب من جميع جوانبها بالعكس تماماً من حرب أمريكا في أفغانستان. وهذه مسألة تم التنبؤ بها مقدماً، على الأقل كانت متوقعة تماماً من قبلنا. وقد أعلنا توقعنا هذا في حينه. ونفس تحليلنا الخاص هذا جعلنا نتخذ موقفاً من الحرب في العراق بالعكس من الموقف إزاء الحرب في أفغانستان حيث شجبناها واستنكرناها في العراق ووقفنا ضدها بشدة ونشطنا بهذا الاتجاه.
والاختلافات الرئيسية هي أن أفغانستان لم تتبق فيها أية آثار من المجتمع المدني والحياة المدنية بحيث يشعر الإنسان بالقلق إزاء انهيارها بسبب الحرب. فالذي كان موجوداً هو فقط سلطة جماعات مسلحة وقطاع طرق إرهابيين أمسكوا كرهينة بحياة ومصير ومقدرات جماهير بائسة وفقيرة. وأوصلوا تدمير المجتمع وإفناءه الى أقصى الدرجات، وجعلوه غابة وحوش. بالنسبة لجماهير مليونية كانت تلك الأوضاع السابقة جحيماً واقعياً، وكان من اللازم تغييرها وكان هذا مرهوناً قبل كل شيء آخر بقطع سلطه لصوص طالبان. وكان من اللازم هزم سلطة هذه الجماعة من قطاع الطرق كما يقول منصور حكمت بقوة السلاح. وبهذا فإن حرباً كانت تشكل سبباً في انهيار سلطة تلك الجماعة من قطاع الطرق، وبمعزل عن جوهرها وأغراضها الأخرى، حيث كان من الممكن اتخاذ موقف تجاهها ونحن قمنا بهذا الأمر، ولكن لم يكن هناك أي أساس لشجبها واستنكارها ونحن لم نقم بهذا.
ثانياً وجهت حرب أفغانستان ضربة كبيرة لقدرات وأحد المصادر الرئيسية لقوة الإسلام السياسي، هدمت ركيزة كبيرة لهذه الحركة الرجعية والإرهابية، وبهذا أصابت الإسلام السياسي بتراجع وتشرذم. وقد تراجع دور ومكانة هذه الحركة الرجعية والإرهابية بسبب حرب أفغانستان سواء في المعادلات على صعيد المنطقة أو على صعيد العالم بشكل واضح واتجهت نحو الضعف.
حرب أمريكا في العراق قوَّت الإسلام السياسي
ولكن نتائج الحرب في العراق كانت من كل الجوانب بالعكس، فهي قوَّت الإسلام السياسي وانطلقت كل عصابات هذه الحركة وانقضَّت بسبب الحرب على حياة الجماهير، في البداية فسح المجال لهم لأن يدخلوا بين صفوف الجماهير في المد المناهض للحرب، ثم ارتدوا قناع الوقوف ضد الحرب وامتطوا أمواج احتجاج الجماهير. وبالنتيجة بعد الحرب واحتلال العراق، تحول هذا المجتمع بالنسبة للإسلام البنلادني ميداناً جديداً لحربهم الإرهابية مع أمريكا وكسبوا قوى وطاقات وإمكانيات جديدة باسم حرب المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي، حتى حصلوا على فرصة لجبران جزء من الهزائم التي حلت بهم كنتيجة لحرب أفغانستان.
وبالنسبة لجناح الإسلام السياسي الشيعي فتحت أوضاع العراق الشائكة الميدان كي يخلط نفسه بالمشروع الأمريكي من جانب ومن جانب آخر يفرض سلطته على جزء كبير من مناطق العراق من خلال التعقيد أكثر للأوضاع وبدعم ومساندة وتدخل الجمهورية الإسلامية المباشر. وأقام في الواقع جمهورية إسلامية أخرى في جزء من العراق بسلطة قمعية ودستور فاشي وبالإرهاب والقمع الدموي والرجم والإعدام.
انهيار أسس الحياة المدنية
ثمة مسألة أخرى هي أن المجتمع العراقي لحين ما قبل الحرب، بكل محنه ومصائبه وبالرغم من تسلط نظام فاشي دموي، ولكن كان من البساطة بمكان توقع أن الحرب ليست سبيل تحرير المجتمع بل وإنها تجعل من الأوضاع أسوأ وأكثر مشقة واضطراباً. واليوم نرى هذه الحقيقة بأم أعيننا. فالمجتمع العراقي سابقاً بمعزل عن أي نظام دكتاتوري كان يحكمه، بمعزل عن القمع والرجعية والتمييز المختلف الأشكال المخيم عليه، إلا أنه كمجتمع كان مجتمعاً مدنياً، وكان تسوده حياة وأنساق ونظام خاص (بمعزل أنه كان سيئاً الى أقصى الحدود) للعمل والمعيشة والأمن والاستقرار، وكان للحياة المدنية معناها، وكانت هناك دولة محددة تقف مقابل الجماهير، وكانت الجماهير تعرف أنها إذا ما فعلت إرادتها ووحدت قواها، فإن عليها للحصول على حقوقها الإمساك بخناق تلك الدولة والنضال ضدها.
غير أن الحرب الأمريكية هدمت من الأساس أسس الحياة المدنية لهذا المجتمع، والآن لم يبقَ أي معنى للحياة المدنية، وليس هناك وجود لأي نظام، سيئاً كان أو حسناً، فيما غرق المجتمع بالحرب والاحتلال والإرهاب وانعدام الأمن ومختلف المآسي والويلات، حيث أن كل جماعة سلحت نفسها وفرضت سلطتها على منطقة دون أن تكون هناك أية قوة وجهة ودولة واقعية مسؤولة تجاه حياة وأمن واستقرار وحقوق المواطنين. لقد أقيم حقاً سيناريو أسود بأقصى صعوباته ومشقاته وراحت حياة الجماهير اليومية تسحق فيه. هذا هو واقع ذلك السيناريو الذي سمي “عملية حرية العراق”!
وعليه فإن المجتمع العراقي الآن لا يشبه أي مجتمع مألوف آخر،الأوضاع ليست أوضاعاً مألوفة وعادية، المواجهة والنضال الطبقي لا يجري فيه مثلما يجري في أي مجتمع برجوازي متعارف ومألوف، ولا تواجه الطبقات بعضها بعضاً بأي شكل من الأشكال الاعتيادية كما هو الأمر عليه داخل المجتمعات البرجوازية المألوفة، بل أتخذ الصراع السياسي والطبقي لنفسه أشكالاً خاصة جداً ومختلفة. بناءاً على أساس كل تلك النتائج التي خلقتها تلك الأوضاع والعوامل التي بحثناها، فإن آليات العمل في مجتمع من هذا الطراز وكيفية تحقيق التغيير فيه، كذلك آلية حركة المجتمع بشكل عام، هي خاصة جداً ولا تجري بشكل اعتيادي وروتيني.
لهذا ينبغي بالنسبة لنا كحزب شيوعي عمالي وكذلك بالنسبة لكل قوة وحركة أخرى على حد سواء اللجوء، على أساس تعريف ومعرفة هذه الأوضاع الخاصة وجوانبها المختلفة، الى استراتيجية خاصة لانتشال المجتمع من هذه الأوضاع. ثم يمكن، ارتباطاً بهذه الاستراتيجية وعلى أساسها، أن نحدد برنامج عملنا وسياستنا وتكتيكنا وخطواتنا في كل ميدان.
لقد خلقت هذه الأوضاع تعقيداً كبيراً أمام مسار تغيير المجتمع. خصوصاً أنها خلقت لنا مصاعب وعقبات كبيرة في ميدان كيفية تحقيق التغيير وكيفية تنظيم الجماهير وجذبها الى الساحة، وفي ميدان العمل لتغيير معادلات السلطة والخطو نحو السلطة السياسية.
وأول نتيجة علينا استنتاجها من هذا البحث هي أن الحزب الشيوعي العمالي في هذه الأوضاع المعقدة والمشوهة وغير الاعتيادية، لن يصل لأي مكان بالعمل الروتيني، أو من الأدق أن أقول فقط بذلك العمل الروتيني الذي يجب القيام به دائماً، لن يستطيع التحول الى قوة مؤثرة وسبب تحقيق التغيير، لن يمكنه تنظيم الجماهير بهذا الشكل من العمل وإحضارها الى الساحة، وبالنهاية لن يكون بوسعه النصر والنجاح والاقتدار.
لأن المجتمع انهار، ولم يبقَ وجود للحياة المدنية، فإن أية آلية روتينية اجتماعية لن تعمل فيه، كي يمكن تحريك الجماهير بالآلية الروتينية والعمل الروتيني وحشد القوى لتغيير المجتمع. مجموعة من الجماعات المسلحة أمسكت بحياة وخبز وماء وأمن الجماهير كرهينة، خلقت مناخاً لكل شخص يريد العيش والبقاء حياً أن عليه أن يستظل الى جانب أحدى هذه الجماعات وتسليم مقدراته لها. ولهذا صمود الجماهير ووقوفها مقابل هذه الجماعات التي أمسكت بخبز وماء أولئك الناس كرهينة ليس بعمل سهل.
الاحتلال كمعضلة كبيرة للمجتمع العراقي
إن المسألة الثانية وعقدة هذا المجتمع هي الاحتلال. فقد تحول الى المعضلة الرئيسية لهذا المجتمع. وهي معضلة واقعية وكبيرة للمجتمع العراقي. فالمسألة ليست أو أن جل المسألة ليس فقط أن الجماهير تنظر من نظار قومي للاحتلال وأرضهم المحتلة، بل إن الاحتلال خلق معضلة كبيرة واقعية في الحياة اليومية للناس والمجتمع. قوة عسكرية ضخمة ومتغطرسة جاءت من أقصى العالم فرضت نفسها بقوة القنابل والدبابات وفوهات السلاح على مجتمع مليوني، سحقت كل إرادة ومقدرات الناس، ولم يبق للجماهير أي دور وتدخل في مصير المجتمع وحياتها. فتحولت البيوت والمدارس والشوارع الى معسكر وساحة حرب، وفي ظل هذه الأوضاع لم يبقَ أي معنى للحياة والأمن والحرية، وثمة مساعي لفرض أكثر أنظمة الحكم رجعية على الجماهير…وحتى أن مسألة الاحتلال هي من أفسحت الميدان للحركة القومية للقيام بالدعاية القومية والتحريض القومي لتحريك الجماهير وحشدها حول بديل هذه الحركة الرجعية.
غياب الأمن
المعضلة الأخرى لهذا المجتمع التي جرى بحثها كنتيجة لهذه الأوضاع هي مشكلة انعدام الأمن. إن المجتمع العراقي الآن غارق في أعمق أوضاع انعدام الأمن وغيابه، فم يتبقَ أي أمان للجماهير، ولم يعد هناك أي معنى لأي شكل من أشكال الأمن ولم يبقَ أي نظام أمني، حسناً كان أو سيئاً. بوسع أي شخص أن يقتل أي أحد لأي غرض كان دون أن يرى أي عائق يقف أمامه ولن يتعرض للمسائلة. بوسع كل أربعة أشخاص أن يسلحوا أنفسهم والقيام بما يشاءون. فأبعاد انعدام الأمن واسعة النطاق جداً. فمن جانب هناك حرب الإرهابيين قائمة وهي تحصد ضحاياها أفواجاً أفواجا من الناس الأبرياء من الأطفال والمسنين والشباب. وحتى تمت صياغة نظرية لقتل وتقتيل المدنيين ولم يقف الأمر عند مقتلهم برصاصة أو قصف أو تفجير أعمى. فقد كان أحد الملالي الإسلاميين يقول في قناة الجزيرة كنظرية لهذا القتل الواسع النطاق للناس المدنيين: نحن نعرف أن الكثير من المدنيين يذهبون ضحية لهجماتنا، ولكن هذا ليس فيه أي إشكال، فهؤلاء الذين يقتلون في هذه الهجمات، هم عبارة عن مجموعتين، إما أن يكونوا أهل الجنة ونحن نستعجل في إرسالهم الى الجنة، أو أن يكونوا أهل جهنم ونحن نستعجل أيضاً في إرسالهم الى جهنم، وفي كلا الحالتين نحن نقوم بعمل جيد. وبهذه النظرية الفاشية وبمجرد أن يحظى هؤلاء الوحوش الكاسرة بالسلطة والسيطرة فإنهم سيبيدون البشرية على الأرض خلال يوم وليلة.
غير أن مشكلة انعدام الأمن لا تقتصر فقط على حرب ومواجهة هذين القطبين الإرهابيين. بمعزل عن هذا، بوسع أي شخص أن يقتل أي أحد لأي غرض كان، بدءاً من الحقد والكره الشخصي وصولاً الى أي غرض وهدف خاص. كذلك فسح المجال وتصاعد مدى الاغتيالات السياسية واغتيال المخالفين في الرأي والعقيدة، الإرهاب الإسلامي لإخافة الجماهير وإخضاعها وإخضاع المعارضين، قتل النساء بذرائع الشرف، اختطاف وقتل الناس للحصول على النقود والمال…وعشرات الأشكال الأخرى. لهذا لم يبقَ لأي أحد أي أمان لا في العمل ولا في الشارع ولا حتى في بيته.
والى جانب كل ذلك أقيمت حرب قومية وطائفية، وقد وجدت حتى الآن، عدا عن المعارك والصدامات الظاهرة وعدا عن الناس الذين يتعرضون للقتل هنا وهناك، العديد من المذابح الجماعية ضحاياها من الناس الأبرياء والغافلين عما حولهم في حرب الشيعة والسنة. فالحرب القومية والطائفية وإضفاء هويات مزيفة قومية ودينية على المواطنين وضعت هذا المجتمع في قلب مأساة وخطر كبير. وعدا عن المجازر الجماعية، يتم يومياً العثور على العديد من الجثث المرمية في زوايا وأزقة المدن حيث لا يعرف أحد من القاتل ولماذا قتلوا.
مشكلة المعيشة
بالنتيجة إن مشكلة المعيشة وفي الواقع بمعنى البقاء المادي على قيد الحياة وليس أي مستوى من مستويات الرفاه تشكل مشكلة كبيرة أخرى لملايين العوائل في هذا المجتمع. فالعمل الذي هو مصدر الحياة الحالية للجماهير ليس له أي وجود. ولقد خلق وضع للكثير من الجماهير صار عليها فيه أن تضع نفسها في ظل والى جانب حزب ومليشيا ليس لأنها تجد أهدافها وتطلعاتها في برنامج ومنهاج تلك القوة، وحتى ليس لأن لديها تحليل إيجابي بخصوصها، بل من أجل أن تعيش وتحظى بحصة من الخبز لمعيشتها اليومية.
حتى الآن كانت توزع مواد تموينية عديمة الفائدة والصلاحية وسيئة بشكل قليل على الجماهير وجعلت الملايين من العوائل هذه المواد مصدراً أساسياً لمعيشتها اليومية، فقامت حكومة الطالباني والجعفري بقطعها. بالطبع كانوا يقدمونها منذ زمن بشكل متقطع ولكن الآن قطعوها بقرار رسمي. في نفس الوقت وكأول مكسب لانتخاباتهم الهزيلة رفعوا أسعار المحروقات بشكل كبير بأضعاف أَضعاف الأسعار السابقة، فخلقوا بذلك غلاءاً فاحشاً، وصارت المعيشة بالغة الصعوبة والمشقة وراحت الجماهير تضطر للقيام بكل شيء من أجل تأمين معيشتها اليومية.
………………………
وعلى أية حال فإن هذه الأمور التي جرى بحثها أكثر الجوانب رئيسية لأوضاع العراق السياسية والاجتماعية الحالية والمعضلات الأصلية والآنية لهذا المجتمع. إن هذه هي أوضاع يواجهها حزبنا الآن للعمل وحشد القوى وتعبئتها.
البدائل البرجوازية لحاضر العراق
إن تلك البدائل المطروحة والمطبقة من قبل القوى والحركات البرجوازية على الساحة العراقية، هي بمجملها لتعميق هذه الأوضاع المأساوية والسيناريو الأسود. أمريكا نفسها في ورطة وتعاني من ضغوطات شديدة وتواجه سيناريوهاتها الرجعية لإقامة سلطة قومية إسلامية خاضعة لها ألف مشكلة ومشكلة ، وفي هذه الأثناء تضطر لمنح امتياز في كل مرة لأحدى القوى المحلية. وكل امتياز تقدمه لأية قوة يعقد لها الوضع أكثر فأكثر.
فالإسلام البنلادني يشدد من جانب تهديداته أكثر فأكثر لتصعيد هجماته وأعماله الإرهابية وأرسل من جانب آخر جماعته داخل خلايا السلطة ويريد الحصول من هناك على إمكانيات مختلفة لخدمة حربه الإرهابية. وأسس الإسلام الشيعي بشكل عملي جمهورية إسلامية في مناطق واسعة، أو من الأصح أن أقول أنه اقتطع مناطق واسعة ووضعها تحت سلطة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث تحكم حرس الثورة الإيرانية (الباسداران) والمخابرات (الإطلاعات) وجماعات ثأر الله في تلك المناطق وتمسك مؤسسات الجمهورية الإسلامية بكل الأجهزة والمؤسسات من الشرطة والبلدية والمحافظة والواردات المحلية وصولاً الى الإرهاب والسجون وأماكن التعذيب وكل شيء، بحيث راح مسلحيها ينتشرون بعشرات الآلاف في مدن البصرة والعمارة والكوت و…
وبالرغم من أن الحركة القومية العربية كحركة تعرضت لضربة وليس لها الآن دور وتدخل وممثل يذكر على الساحة السياسية، إلا أن هذه الحركة وبموجب طابعها القومي-الفاشي تتخندق دائماً في خندقها ومتى ما حققت مقدرة سيكون لها أكثر ردود الأفعال فاشية تجاه الأوضاع الحالية.
أما الحركة القومية الكردية بوصفها حركة رجعية جعلت نفسها تابعة ومحلقة تماماً بسياسات أمريكا، حققت الى حد كبير ما تريده بثمن انهيار حياة جماهير العراق ومآسيها، فالقوميون الأكراد يقولون بصراحة وفي مناسبات مختلفة كلما تعقدت أكثر أوضاع العراق وتعمقت مشاكله أكثر وأزداد غياب الأمن فيه بشكل أكبر، كلما انتهت الأوضاع بصالحهم أكثر. إنهم بالضبط يتاجرون بالضبط ويستثمرون رساميلهم على مآسي جماهير العراق. وبمعزل عن هذا يشكل الترويج للعصبية القومية وصياغة الخطط لتعميق الحرب والصراع القومية والتحريض الفاشي محوراً لسياستهم في قلب هذه الأوضاع.
إن كل القوى التي تقف خلف هذا السيناريو الأسود الحالي، وبالرغم من التناقضات والصراعات والأخذ والجر فيما بينها، تتفق جميعها على الاستمرار بهذه الأوضاع التي تشكل مصدر تحقيق أحلامها جميعها. فالسيناريو المشترك لها من اجل فرض دستور فاشي إسلامي-قومي وخططها لفرض سلطة منسجمة مع هذا الدستور، هي الدليل على هذا الواقع وهذه الحقيقة. والصراعات فيما بينها هي على مكانة وحصة أكبر لأي منها في هذه السلطة، وليس الاختلاف على جوهر وماهية السلطة.
كما يشكل تنظيم الانتخابات كسيناريو ومهزلة جرت مرتين حتى الآن في العراق لعبة لتقسيم السلطة وتوزيعها وتحديد حصة كل واحدة من هذه القوى. فهذا السيناريو كان من جانب محاولة عقيمة للحصول على غطاء شرعي بغرض التغطية على الاحتلال وسلطة المليشيا المفروضة وصنيعة أمريكا، ومن جانب آخر كركيزة لتقسيم السلطة بين القوى التابعة لسياسة أمريكا، هذه الركيزة تم طرحها على الأكثر الإصرار عليها من قبل تلك القوى التي ضمنت حصتها مقدماً بقوة المليشيا. فما سمي بالانتخابات كان في الحقيقة استعراضاً لقوى السيناريو الأسود استخدمت فيه قدرتها على الغطرسة والترهيب والتزوير للحصول على حصتها.
مكانة الحزب الشيوعي العمالي
لقد قام الحزب الشيوعي العمالي حتى الآن بالكثير من العمل لمواجهة هذه الأوضاع، فقد كان قبل كل شيء القوة الوحيدة في هذا المجتمع التي وقفت وناضلت ضد هذه الأوضاع من منظار الحرية والإنسانية وحقوق الجماهير. هذا الحزب هو المحور الوحيد لجبهة الحرية والعلمانية في قلب غابة الوحوش هذه. فقد وقف ضد الحرب والاحتلال والإرهاب، تصارع مع أمريكا والإسلام السياسي والحركة القومية على حرية وحقوق الجماهير، قاد ونظم نضال واحتجاجات الجماهير الغفيرة من أجل مطالبها، كان القوة الوحيدة التي اتخذت دوراً على مستوى عريض في تنظيم صفوف العمال وتشكيل المجالس والنقابات العمالية المستقلة وكان له دور رئيسي في تنظيم نضال العمال والعاطلين عن العمل، اتخذ دوراً طليعياً في ميدان الحركة النسوية ووقف بصمود وثبات مقابل الهجمة على حقوق النساء وجذب النساء في قلب هذه الغابة الى الميدان للدفاع عن أنفسهن، اتخذ نفس الدور في ميدان حركة الطلبة، قاد المشردين والنازحين للدفاع عن أماكن عيشهم، ناضل ضد سيناريوهات فرض دستور فاشي وسلطة قومية وإسلامية، وفتح خندقه للدفاع عن بديل الحرية والعلمانية…وكذلك طرح سبيل حل مناسب وفعال لمشاكل ومعضلات الجماهير.
كل هذه هي أعمال جيدة ومبعث فخر لهذا الحزب. كذلك نفس وجود حزب شيوعي نموذجي من هذا الطراز وبهذه السياسة والبدائل التي كان قد طرحها، في قلب هذا السيناريو الأسود الحالي في العراق، بهذا الدور الذي جرى الحديث عنه، يمتلك بحد ذاته أهميه بالغة جداً. إلا أن المسألة الأصلية هي أن هذه وحتى لو جرى تصعيدها وتطويرها بدرجات مضاعفة، ليست بضامنة لأي تغيير جذري وانتشال المجتمع العراقي من هذه الأوضاع. هذا الدور والمكانة ليست بمستوى الإجابة على القضايا الأصلية الراهنة للشيوعية. وحتى ليس هناك من إمكانية في قلب أوضاع من هذا القبيل لحزب بهذا النوع من النشاط أن يستطيع جذب الجماهير على صعيد جماهيري عريض الى الميدان والتحول الى حزب جماهيري مقتدر.
لأن السيناريو الشائع، أي السيناريو القائل بأن بوسع الشيوعيين من خلال الدعاية والتحريض والتنظيم، توعية العمال والجماهير خطوةً خطوة وتنظيمها وبناء المجالس في المحلات والمعامل وحشد القوى عاماً بعد عام وتكديسها على بعضها البعض كي يتم تهيئة قوة عظيمة بهذا الشكل، وفي النهاية يقومون في صبيحة معينة بقرع ناقوس الثورة ودخول الميدان والقيام بالثورة، هذا السيناريو هو من الأساس سيناريو غير واقعي، وهو الآن غير واقعي للمرة المئة فيما يتعلق بحاضر العراق. إن جماهيراً تعاني في قلب السيناريو الأسود وانعدام الأمن والمجاعة والموت وفي ظل سلطة قوى المليشيا القومية والإسلامية والقوات الأمريكية ويمسك هؤلاء بخبزها ومائها وحياتها اليومية كرهينة، لا يمكن أبداً وليس من الواقعي تنظيمها بقوة الدعاية والتحريض وجذبها الى الميدان ضد هذه الجماعات. ففي مكان ليس فيه أي وجود للدولة أصلاً بحيث يمكن الثورة ضدها، لا يمكن صياغة خطة لتحرير المجتمع بالشكل الكلاسيكي للقيام بالثورة.
مؤتمر حرية العراق
إن المعضلات الأصلية لهذه المجتمع التي تحدثنا عنها فيما تقدم، هي الحرب والاحتلال وانعدام الأمن ومشكلة المعيشة، هي معضلات جماهير مليونية، وليس فقط طبقة معينة، هي معضلات المجتمع، ولهذا تصبح مواجهتها متيسرة فقط من خلال إحضار الجماهير الغفيرة على صعيد شامل الى الميدان بمثابة حركة جماهيرية عريضة وواسعة النطاق. منظمة تبلورت على أساس تشخيص هذه الأوضاع الخاصة لتنظيم صفوف الجماهير العريضة وتنظيم حركة جماهيرية في سبيل الإجابة على تلك المشاكل والمعضلات، بوسعها أن تكون بديلاً فعالاً لتغيير المجتمع. وهذا دور تأريخي يقع الآن على عاتق الطبقة العاملة والحزب السياسي لهذه الطبقة لانتشال المجتمع من المأزق الحالي.
فمنظمة لديها إجابة على مسألة الأمن، والوقوف ضد الاحتلال لتأمين المعيشة، بوسعها حشد الجماهير والتحول الى مصدر للتغيير. هذا المجتمع بحاجة إعادة بناء المدنية والحياة المدنية فيه من جديد. وقد تم تشكيل مؤتمر حرية العراق كبديل ومشروع رئيسي وفعال لحزبنا للإجابة على هذه الأوضاع.
غير أن جانباً من هذه المسألة هي أن هذه الأوضاع التي تم خلقها في العراق مرتبطة مباشرة بالأوضاع العالمية، فقد تحول العراق الى ميدان أصلي لصراع ومواجهات القوى العالمية العظمى. وما يجري في العراق الآن هو استمرار لتلك الحرب الإرهابية التي قال منصور حكمت أن إنهائها هو مهمتنا ومهمة البشرية المتمدنة في العالم. بمعنى أن حركة انتشال المجتمع العراقي من هذه الأوضاع ليس فقط حركة محلية وعراقية. بل بوسع البشرية المتمدنة في العالم كافة المساهمة فيها، والمشاركة فيها وليس فقط دعمها ومساندتها. ويشكل مؤتمر حرية العراق في نفس الوقت التنظيم والبديل والإطار لتوحيد وتنظيم البشرية المتمدنة في العالم وكل حركة وقوة تقدمية للتدخل الفعال بصالح الحرية والعلمانية في هذه الحرب والصراعات الحالية التي تجري في العراق.
وعليه فإن تنظيم حركة جماهيرية عريضة وواسعة النطاق يكون لها بعد عراقي وبعد عالمي أيضاً على حد سواء، ويكون لها ملامح سياسية واجتماعية وملامح عسكرية أيضاً على حد سواء، تعيد الأمن للمجتمع، تشكلت ضد انهيار أسس المدنية في العراق، كذلك لإخراج أمريكا وتقصير يد القوى الإسلامية والقومية وخلق ظروف تستطيع جماهير العراق في ظلها القرار بوعي وحرية على نظام الحكم المقبل في العراق، هي خطة طرحها الحزب الشيوعي العمالي العراقي لأوضاع العراق الحالية. وقد أوضحت في برنامج عمل المؤتمر تفاصيل هذه المشروع وجوانبه المختلفة وهنا لن أتطرق لها الآن.
كردستان
ولكن فيما يتعلق بكردستان فإن الأوضاع تختلف، فالأوضاع السياسية والاجتماعية مختلفة الى حد كبير، المعضلات ومسائل كردستان الأصلية لها اختلافها بالمقارنة مع العراق، القوى والبدائل على الساحة السياسية الكردستانية، المسائل والحركات داخل المجتمع، وصولاً الى السلطة وحياة الناس اليومية، جميعها لها اختلاف مع العراق. لهذا بالنسبة لحزب وبديل واقعي لا يمكن أن يبدأ في رسم استراتيجيته من هذه الأوضاع.
كردستان ومنذ عام 1991 مصيرها معلق وغامض، وبعد انهيار النظام البعثي مازال هذا المصير معلقاً. مازال من غير المعلوم ما الذي سيحل به، فما تطرحه القوى القومية الكردية هو الفدرالية وإلحاق كردستان بالعراق بحيث أن يكون هناك امتياز من نصيبها وهو امتياز الحصول على مكانتهم كحكام محليين لكردستان ضمن إطار الدولة المركزية العراقية.
غير أن الفدرالية وعدا عن كونها مشروع رجعي، عدا عن أنها نسخة لهذه الحرب القومية التي خيمت على المجتمع وأصبحت ركناً كبيراً في تدمير الأمن، عدا عن أنها مشروع لاستمرار سلطة الفساد المليشياتية والتي فرضتها الأحزاب القومية، عدا عن أنها لا تقدم أية ضمانة لإبقاء جماهير كردستان بمنأى عن محن ومصائب الماضي، عدا عن أن الجماهير تعرف جيداً وكذلك القوى القومية ونفس الطالباني والبارزاني وأمريكا حقيقة أن نفس عبد العزيز الحكيم الذي يستقبلونه في كردستان ويجرجرون الناس لاستقباله وإقامة المراسيم لاستقباله وهم مشغولون بتسمية شوارع المدن باسمه وباسم رموز الإسلام السياسي الرجعية، لو امتدت يده وحصل على القوى والإمكانيات اللازمة، سيكرر نفس الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي ضد جماهير كردستان وأكثر من ذلك، فأمثال الحكيم والمتخندقون في خندقه في إيران يمارسون تلك الجرائم لأكثر من ربع قرن ضد جماهير كردستان. عدا عن كل هذا من الواضح للجميع أن الفدرالية ليست بضمانة أكثر من الحكم الذاتي البعثي. وإذا ما تغيرات موازين القوى ستهاجم حكومة الإسلام والقوميين الفاشيين المركزية بقواتها العسكرية كردستان وتطوي صفحة الفدرالية ولن يقف بوجهها أي شخص أو قانون. فما يجري اليوم تسويقه ليس سوى توازن قوى في أوضاع خاصة لا أكثر.
حتى أن الفدرالية لحاضر العراق هي طرح غير واقعي وغير عملي أيضاً، أولاً لأن كردستان والعراق صارا مجتمعين منفصلين حيث تختلف أغلب الأسس الرئيسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الآليات، وأشكال السلطة فيهما. كذلك تعمقت خلال عشرات السنين الماضية الهوة والتناقض القومي، سواء بسبب السياسة النظام البعثي الفاشية في التصفية والتطهير والقمع القومي وبسبب ما جرى خلال السنوات الثلاث الأخيرة كنتيجة للحرب والتحريض القومي وتحول القوى القومية الكردية الى تابع لسياسة أمريكا، لدرجة أنها جعلت من دمج هذين المجتمعين عملاً شاقاً وعسيراً جداً. ولن يمكن القفز على هذه الهوة والشقاق بقوة الدعاية والتحريض. السبيل المناسب والعملي الأقل ضرراً حتى لتجاوز هذه الحرب والصراع والشقاق هو الانفصال.
أمام هذين المجتمعين مستقبلان ومصيران مختلفان. وأية قوة تطرح سبيلاً عملياً وفعالاً لمستقبل كل واحد من هذين المجتمعين بوسعها أن تكون كاسبة الرهان، وبوسع الحزب الشيوعي العمالي أيضاً من خلال هذا السبيل الحركة صوب أهدافه السامية والإنسانية. من يستطيع انتشال المجتمع من المآسي والمصائب الآن، بوسعه الحركة نحو السلطة وحشد الجماهير وتعبئتها حول بديله وبرنامجه الاشتراكي.
يطرح حزبنا على أساس رؤية هذه الوقائع سبيل حل الانفصال وتأسيس دولة مستقلة أمام مجتمع كردستان ويعمل من أجل هذا وطرح ضمن هذا الإطار مشروع مؤتمر الاستفتاء لاستقلال كردستان لتنظيم حركة جماهيرية حول سبيل الحل هذا ومن المؤسف مازال هذا المشروع لم يسر في مساره بشكل عملي.
وبالطبع هناك العديد من العوامل الأخرى الموجودة بخصوص السبب الذي يدعونا لطرح سبيل حل الانفصال أمام مجتمع كردستان، حيث تم توضيحها في حينه حين طرح منصور حكمت لأول مرة هذا الموضوع ولا أجد من الضرورة هنا أن أكررها، وبوسع كل شخص أن يراجع مقالة منصور حكمت تلك.
كذلك أريد أن أضيف على هذا الموضوع أن أرضية وظروف بلورة حركة جماهيرية حول مطلب انفصال كردستان مهيأة بشكل كبير الآن، فقد تحول هذا الى مطلب الجماهير الغفيرة العميق، وقد تعمقت الهوة بين الجماهير والأحزاب القومية بشكل كبير، وتصاعدت ونمت الحركة الاحتجاجية الجماهيرية ضد سلطة وسياسة وممارسات الأحزاب القومية، وقد لجأت تلك الأحزاب إزائها الى تشديد القمع وإغراق احتجاجات الجماهير بالدماء وملأ السجون بالمعارضين لها وقادة وناشطي الاحتجاجات الجماهيرية.
حسم مصير كردستان وإخراجها من الأوضاع المعلقة الحالية وتطبيق سبيل حل إنساني وتقدمي، هي المسالة الرئيسية لمجتمع كردستان وإذا أمسكت بها أية قوة وأصبحت رمزاً وقيادة وراية لها بوسعها كسب الرهان في الساحة الكردستانية. وقد تحول انفصال كردستان الى شأن شبيه بقضايا الأمن والاحتلال والمعيشة والمدنية في العراق ومثل قضايا الخبز والأرض والصلح في روسيا في عهد ثورة أكتوبر. فإذا صارت الشيوعية راية وقيادة بوسعها إمطار الخير على المجتمع وتتحرك نفسها نحو السلطة وفسح المجال لتطبيق برنامجها الاشتراكي. وإذا لم تقم بهذا الأمر ستقع على الهامش.
أهمية ميدان الخارج
نحن علينا في هذا الكونفرانس تحديد برنامج عمل ونشاط منظمة الخارج للحزب فيما يتعلق بأوضاع المجتمع العراقي والكردستاني، كذلك الى جانب تلك الخطط والاستراتيجيات التي حددها حزبنا لنفسه في تلك المجتمعات.
كيف يمكننا الإمساك بميدان الخارج كخندق وميدان مهم لتحقيق تلك الاستراتيجية في العراق؟ كيف يمكننا جعل الخارج ميداناً للصراع على مصير المجتمع وانتشاله من الأوضاع المأساوية الحالية؟ كيف نجعله ميداناً مهماً لصرع الحزب على السلطة؟ و…الإجابة على هذه الأسئلة يوضحها برنامج عمل الخارج وبرنامج نشاط هذه المنظمة العملي.
وهنا من الضروري أن أؤكد على أن حزبنا هو في الأساس حزب تأسس وقام داخل العراق ويسعى الى كسب السلطة السياسية في العراق وتطبيق برنامجه الاشتراكي. وهذه هي خاصية مهمة لهذا الحزب وتميزه عن أي حزب آخر تأسس مضطراً في الخارج. بأية درجة وجد ضعف في ركائز وأبعاد حزبنا في الداخل علينا حلها وملأ فراغها، والإجابة على معضلات المجتمع العراقي الآن تتم بحزب متجذر وراسخ ومستقر داخل المجتمع، فالحزب المهاجر في الخارج لا يمكنه أن يكون عاملاً لتغيير أوضاع العراق الآن.
ولكن الى جانب هذا بالنسبة لحزب شيوعي عمالي كحزبنا يناضل في الأساس داخل العراق للوصول الى السلطة، يشكل ميدان الخارج، خصوصاً الآن، أحد الميادين الأصلية للنضال والنشاط في سبيل تحقيق استراتيجيته داخل العراق.وبعكس ذلك التصور ووجهة النظر التي ترى الخارج جبهة خلفية للداخل، فإن الخارج هو أحد الجبهات المباشرة لتلك المعركة والصراع التي نواجهها في الداخل على مصير المجتمع العراقي، ولهذا يشكل الإمساك بهذا الميدان أحد شروط نجاح استراتيجية الحزب في العراق.
وبهذا الخصوص يجب أن يطرح الكونفرانس طموحاً أكبر أمام منظمة الخارج لأهمية ميدان الخارج بحسب هذه الرؤية والتصور. خصواً وأن الأوضاع العالمية الراهنة وبشكل أخص أوضاع العراق الحالية ومكانة حزبنا في الساحة السياسية العراقية، تؤكد على ضرورة اتجاه عمل منظمة الخارج ونشاط الحزب في هذا الميدان بشكل عام نحو مستوى أرقى بدرجات كبيرة وأن يحقق أبعاداً أكبر بدرجات مضاعفة وأن يتخذ طرقاً وأساليب أكثر فاعلية للعمل والنشاط.
إننا نرى العالم اليوم يقف أمام مخاطر حرب إرهابية واسعة النطاق وتتسع يومياً أبعاد وميادين هذه الحرب أكثر فأكثر لدرجة وضعت كافة البشرية على الكرة الأرضية في مخاطر كبيرة. أطراف هذه الحرب الإرهابية يواصلونها ويستمرون بها بأقصى درجات الوحشية. وقد تحول المجتمع العراقي الى إحدى الجبهات الأصلية لهذه الحرب. إن حزبنا يمثل جبهة الحرية والعلمانية مقابل هذه الحرب. ويشكل الخارج ميداناً ساخناً لهذه الحرب. فحرب الإرهابيين والأوضاع التي خلقت في العراق لم تبقِ مجالاً أمام أية قوة وحركة أصلية وجدية في العالم في اللامبالاة والبقاء مكتوفة الأيدي. مواجهة هذه الحرب لها أبعاد وامتدادات عالمية. ولكنها وظيفتنا أن نفتح الآفاق بوجه قوى البشرية المتمدنة والحركات التحررية والتقدمية العالمية للتدخل في تلك الحرب والصراع الذي خلق في العراق.
عدا هذه الحرب وتلك الأوضاع العالمية المشار إليها، فإن قوى السيناريو الأسود في العراق التي انفتحت لها أبواب الميدان بسبب هذه الحرب الرجعية ونتائجها وتداعياتها، هي في مسعى الآن لفرض بديلها الرجعي على هذا المجتمع. وخطتها هي للاستمرار بالحرب والاحتلال، وتصعيد الحرب القومية والطائفية وتعميق غياب الأمن، وفرض سلطة قومية-إسلامية رجعية وتطبيق دستور فاشي يهدد أبسط حقوق وحريات جماهير هذا المجتمع. فمخاطر تكرار مآسي وفجائع رواندا والبوسنة والهرسك تخيم على المجتمع العراقي، وقصم الفقر والمجاعة والبطالة ظهر ملايين الأشخاص، ولم تتبقَ آثار للحياة المدنية والحرية والعلمانية…لذا فإن إنهاء الإرهاب وهذا السيناريو الأسود هو مهمتنا نحن والبشرية المتمدنة.
ولكن كي ترتقي قدراتنا للقيام بهذا العمل علينا أن نكون أقوى وأكبر من الآن، علينا بناء حزب سياسي جماهيري كبير وراسخ ومقتدر في الدخل والخارج. علينا أن نصبح محور تنظيم وتوحيد وتوجيه قوى البشرية المتمدنة العالمية وعلينا إحضار هذه القوى الى الميدان لإنهاء حرب الإرهابيين ولإنهاء السيناريو الأسود في العراق. من أجل هذا العمل يجب أن تكون قدرات واستعداد واستحكام ونفوذ ودور وتأثير تنظيماتنا في الخارج مثل تنظيمات الداخل مضاعفة بدرجات ودرجات.
علينا إشعال جبهة الخارج وجبهة الداخل أيضاً على حد سواء أكثر فأكثر. يجب أن ترتقي قدرات تنظيمات الخارج في الإبداع واستعراض القوى والتعبئة بدرجات مضاعفة. فأهمية ميدان الخارج ليست مؤقتة، بل مثلما أنه ميدان اصلي ومهم لنضال الحزب في سبيل تحرير المجتمع العراقي ووصوله الى السلطة وتطبيق البرنامج الاشتراكي، تشكل في المستقبل أيضاً ميداناً مهماً للحفاظ على الدولة الاشتراكية.
وعلى الكونفرانس النظر من هنا الى مكانته والمرحلة القادمة من نشاط منظمة الخارج للحزب. عليه التركيز على قرار وخطة بلورة تنظيمات قوية وذات نفوذ ونشطة، وعلى بلورة وبناء حزب سياسي مقتدر في الخارج بحيث يكون قادراً على الإمساك بهذا الميدان الساخن لمواجهة حرب الإرهابيين وقوى السيناريو الأسود بأفضل الأشكال.
وهذا مرهون بشيئين، أولهما التشخيص الصحيح للأوضاع ومهام ووظائف تنظيمات الخارج، وتشخيص الأهمية الكبرى لهذا الميدان وتوجيه ضربة للتصورات التي لا ترى، بأية ذريعة كانت، أهمية كبرى للنشاط في الخارج أو تنكرها. والثاني هو استعدادنا للقيام بتلك الأعمال والمهام الصحيحة التي نضعها لأنفسنا واتخاذ أسلوب عمل صحيح ومناسب لهذا الغرض.