حرب الموصل تسير نحو خاتمتها!

0

والصراع القومي والديني نحو التعمق!

ريبوار احمد:

تمضي حرب الموصل صوب خاتمتها، ولكن تمضي بالسرعة ذاتها الصراعات القومية والدينية، وتنهمك مجمل الاحزاب القومية والدينية بصورة واسعة بالعمل على هذه العملية الرجعية  وفتحوا اكياسهم لجني ثمار ذلك. ان هذه نتيجة منطقية ومتوقعة لحرب كان القتل وتشريد جماهير الموصل وتدمير هذه المدينة ثمناً لانهاء داعش والدفع بالصراع الرجعي للاقطاب العالمية والاقليمية  الذي يجري تحت ستار الحرب على الارهاب.

ان نداء البارزاني لاجراء الاستفتاء في اصله هو جزء من هذا المشروع من اجل ممارسة الضغط السياسي على حكومة بغداد. لقد تحدثنا عن هذا سابقا. ولكن القضية اكبر من هذا، وهي ان مجمل القوى والاطراف القومية والدينية قد اعدت نفسها لاعادة التقسيم من جديد بعد طرد داعش. لقد بدا خلال هذه الايام عمل مكثف بالسياق ذاته من جانبين اخرين. اذ اعلن جزء من القوميون السنة العرب حزبا باسم (للعراق متحدون) والذي حضر الميدان بنداء طائفي، وتمثل هدفه الرئيسي اقامة اقليم سني في الموصل. انعقد مؤتمرهم في اربيل في احضان الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومن اليوم الاول للاعلان، شرعوا بتمجيد البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والبارزاني. وقد كانوا يؤكدون في الوقت ذاته على ان مشروعهم واهدافهم تتماثل مع مشروع واهداف الكرد، وذلك لانهم جيران من جهة وكذلك، مستقبلا، لايمكن فقط ان يقوم اقليم الاكراد بالمطالبة بحقه من الحكومة المركزية. انعقد المؤتمر في اربيل، لعرب السنة، ويمجد بالبارتي، ليس هناك قط شك في انه يرتبط مع نداء البارزاني للاستفتاء وورقة ضغط اخرى على حكومة بغداد. ان هذا يدلل على ان القوميين والطائفيين على استعداد للقيام باي عمل حقير لتحقيق اهدافهم الرجعية وضد “اناسهم”.

من جهة اخرى، شرعت الاحزاب القومية التركمانية بالنفخ بنار الاحاسيس القومية التركمانية وابراز مطالبتهم بحق التركمان في كردستان بوصفهم “القومية الثانية”! حقهم، الذي يتمثل، وفق قول حسن توران نائب رئيس الجبهة التركمانية،  بانهم ووفق تركيبة القوميات، يجب ان تمنح لهؤلاء السادة، بوصفهم “القومية الثانية”، مناصب ورتب من مثل نيابة رئاسات الاقليم، وحوّل هؤلاء السادة قضية التركمان الى بزنس سياسي. وبهذا الخصوص، قاموا بتوفير جميع المستلزمات كي يعقدوا في بغداد في الاسابيع القليلة المقبلة مؤتمر توحيد القوى التركمانية. يتم في هذا المؤتمر، وفق حديث توران، “اقرار خارطة طريق التركمان في اوضاع مابعد داعش، وتغيير مسالة التركمان بوصفها مسالة وعقدة سياسية في العراق”، وذلك استنادا لاساس وهو ان التركمان يتعرضون للظلم بالاخص على ايدي الاحزاب الكردية في كركوك وفي اقليم كردستان. وان هذا الامر تفوح منه رائحة ان حكومة بغداد تريد استخدام هذا بوصفه ورقة ضغط على الاحزاب القومية الكردية وبالاخص البارتي والبارزاني. ان بلاغهم السافر الذي لايحتاج الا الى تعمق بسيط فقط حتى يتضح ان البارزاني يريد توظيف واستخدام ورقة القوميين العرب السنة في مسالة نداء الاستفتاء لفرض مطاليبه على حكومة بغداد، بالمقابل، ان رد حكومة بغداد هو اذا يلعب البارزاني بورقة السنة، فانهم يديموا اللعب معه بورقة التركمان. وبهذا السياق، لايبالون اي جهنم تخلقه هذه السياسة للجماهير.

يقسم هؤلاء السادة القوميين والطائفيين يومياً بـ”اخوة مكونات العراق”، فيما يقف خلف كل قسم مؤامرة قذرة لهم يمسك المواطنون فيها خناق بعضهم البعض على اسس هويات قومية ودينية تافهة ومصنعة. هل هناك شيء اكثر وضوحاً من انه لو لم تبقى يد هذه الاحزاب البرجوازية القومية والدينية فوق حياة ومصير الجماهير والمجتمع، فان مواطني العراق ليس لهم مشكلة وعداء مع بعض، ليس هذا وحسب، بل ترد الروح للمصير والعيش والنضال المشترك محل هذا الشق والتفرقة الذي خلقته بالاساس الاحزاب والسلطات البرجوازية القومية والاسلامية بين الناس. هدفهم هو ان اي عصابة تجعل نفسها ممثل قوم وطائفة، وعلى هذا الاساس، ينالون حصتهم من الثروة والسلطة السياسية.

ان قضية الشيعة والسنة وتحويلها الى قضية سياسية كان اثر وعاقبة سياسية مباشرة لحرب واحتلال امريكا وتلك العملية السياسية الرجعية  التي جلبت الدمار والتراجع على جميع الاصعدة في المجتمع. ان السعي الحالي  لتحويل محافظة الموصل الى اقليم على اساس طائفي ووربطها ببغداد في اطار فيدرالية قومية ودينية، وكذلك السعي لاختلاق صراع باسم قضية التركمان، هما خطوتان رجعيتان اخريتان نتيجتها اقامة شق بين المواطنين. انهما خطط رجعية ومحفوفة بالمخاطر الى ابعد الحدود.

عبر تحويل الموصل الى اقليم واختلاق سلطة طائفية سنية لهذه المحافظة، ستكون مبعث تابيد الحرب والصراع الطائفي الذي دمر في السنوات المنصرمة حياة الالاف المواطنين. ان هذه ليست خطة لصيانة وابعاد جماهير الموصل من ظلم وقسر سلطة الجماعات شيعية الطائفة، بل خارطة طريق جديدة للقتل الاعمى لمن اسمهم علي وعمر وحسن وبكر والحسين وعثمان. خارطة طريق رجعية للتيارات السنية، بوصفها جزء من البرجوازية في العراق الساخطة على حصتها من الثروة والسلطة، وتنشد عبر هذا التلاعب بحياة مصير الجماهير المضطهدة ان تنال حصتها هذه. ان هذه بداية طريق بلغت كردستان نهايته التراجيدية.

رات جماهير كردستان لسنوات طوال تحت دوامة الفيدرالية القومية في ظل مملكة البارزاني والطالباني مئة قضية ومصيبة. ونتيجتها، لايستطيع حتى مؤسسي هذه الفيدرالية انفسهم انكار ان فيدراليتهم قد تعرضت للاخفاق وانها عديمة القيمة. ولهذا، انهم في سعي لبث الروح لها مرة اخرى عبر ورقة الاستفتاء والتهديد بالانفصال. وليس هناك اي افق واضح لمسالة كم ان هذه الورقة فعالة لهذا الهدف. ولهذا يدعم البارزاني الطائفيين السنة، ويسعى بهذا السياسة للاستفادة من هذا المشروع الرجعي. لن تكون عاقبة اختلاق اي شكل من الكيانات والسلطة والاقليم والدولة في اي زاوية من زوايا المجتمع على اساس قومي وديني سوى تعميق الشق واستمرار اضرام نار الحرب الرجعية  ورهن حياة ومصير قاطني هذه المنطقة بايدي العصابات القومية والطائفية. ان الفيدرالية القومية والطائفية هي اضفاء الصبغة الرسمية وتابيد الحرب والعداوات الرجعية القومية والطائفية، التي يشجبها حتى المخططون لها وصانعيها بصورة مرائية دوما.

سيكون وضع مابعد طرد داعش وضعاً جديداً، يتمثل اطاره العام بمرحلة جديدة من الصراعات القومية والدينية بهدف اعادة تقسيم السلطة والثروة استناداً الى توازن القوى الجديد. ان احد الميادين المهمة في صراع الجماهير التحررية في هذه المرحلة الجديدة هي النضال من اجل احباط اقامة اي كيان استناداً الى اسس قومية وطائفية. ان الاصرار والتاكيد على ضرورة لاقومية ولادينية الدولة على جميع الاصعدة، بالنسبة للجماهير التحررية والمتعطشة للحرية والخلاص من الحرب والقتل وانعدام الامان، هو نتيجة يجب استخلاصها من تجارب 14 عاما المنصرمة وظهور داعش ومصائبهما.

فيما يخص نداء الجماعات القومية التركمانية، في الحقيقة لم تكن هناك قضية سياسية باسم قضية التركمان في المجتمع، وليست موجودة وليس لها اي اساس. الى الحد الذي تتقدم فيه هذه الخطة، فان المواطنين التركمان انفسهم سيكونوا ضحاياها ووقودا لها قبل اي احد اخر. ان مجمل هذه الاحزاب التي تم اختلاقها باسم التركمان لايمثلون اي قضية، بل اما يكونوا يلعبون دور رافعة لتدخل الحكومة الفاشية التركية، او ورقة سياسية للاحزاب السياسية المتخاصمة. لقد كان هدف مؤتمر توحيد الاطراف التركمانية يتمحور حول “خارطة طريق التركمان لمابعد داعش واعتبار التركمان بوصفهم القومية الثانية في كردستان”، وهو هدف رجعي حتى النخاع. لايتعلق ولو ذرة بمسالة استفادة المواطنين التركمان من حقوق اكثر، بل اهانة كبيرة بذلك القسم من المواطنين وطوق عبودية ودرجة ثانية يوضع على اعناقهم. طبقا لهذا المنطق القومي الرجعي، فان ليس بوسع المواطنين التركمان ان يتمتعوا بحقوق متساوية مع المواطنين الناطقين بالكردية، بل يتم تحديدهم بوصفهم مواطني درجة ثانية وحقوقهم اقل من الناطقين بالكردية. ان الهدف من هذه اللعبة السياسية في الاوضاع السياسية للعراق واصطفاف الجماعات القومية التركمانية لهذه هو انها، واستنادا الى ختم الدرجة الثانية والعبودية على جبين المواطنين التركمان، تقتطع قسم من السلطة والثروة لانفسها.

على جماهير التحررية في العراق وكردستان، وتحديدا جماهير الناطقين بالتركمانية، ان يكونوا اكثر وعياً من ان ينجروا وراء هذا المطلب وان يكونوا طعم عدد من الجماعات التي تم توكيلها من قبل اردوغان والبارزانيين والطالبانيين وطائفيي بغداد،  لكي يقوموا بلعبة حقيرة الى ابعد الحدود في الصراع الرجعي بينهم من اجل السلطة والثروة ويتلاعبوا بحياة ومصير الجماهير هذه. يجب ان لايعد المواطنين التركمان، سواء القاطنين في كردستان او في العراق مواطني درجة ثانية، بل ان عليهم ان يكونوا مواطنين متساوي الحقوق كلياً.  ومن هذه الحقوق حق القراءة والتحدث بلغتهم الام، كما ان الترشيح لجميع المناصب المختلفة للبلاد ومن ضمنها منصب رئيس الجمهورية هي حق اي مواطن تركماني، بنفس المعايير التي هي حق الاخرين. ان اقل من هذا ولو ذرة هو اهانة بهؤلاء المواطنين وتطويقهم بسلسلة العبودية، في الوقت ذاته لا تتعدى سوى تعميق الشق والتفرقة والنفخ بنار الحرب والقتل الرجعي القومي. ان تقدم هذا المسار والتيار والعملية، ستكون كل محلة ميدان التفرقة والحرب والصراع على اساس الكرد والعرب والترك والاشور والكلدان والشيعة والسنة والمسيح واليزيدية والكاكاية والفيلية والهورامي والشبك و…

13 ايار 2017

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here